علي بن عبد الكافي السبكي

236

شفاء السقام

كل مسجد وإلى كل مكان ، فلا يجوز أن يكون هو المراد . وقد يقال على بعد : إن خروج تلك المسائل بأدلة على سبيل التخصيص للعموم ، فلا يمنع من إرادته في الباقي . وهذا لو قيل به ، فتقدير المساجد أيضا أولى من تقدير الأمكنة ، لعلة التخصيص ، إذ التخصيص على تقدير إضمار الأمكنة أكثر ، فيكون مرجوحا . ثم على هذا التقدير : فالسفر بقصد زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غايته مسجد المدينة ، لأنه مجاور للقبر الشريف ، فلم يخرج السفر للزيارة عن أن تكون غايته أحد المساجد الثلاثة ، وهو المراد على هذا التقدير ( 1 ) . وإما أن يجعل المساجد أو الأمكنة علة فقط ، ويكون قد عبر ب‍ ( إلى ) عن اللام ، أو غاية وعلة من باب تخصيص العام بأحد حاليه ، لأن غاية السفر قد يكون هو العلة ، وقد لا يكون ، فيكون المراد النوع الأول ، وهو ما يكون علة مع كونه غاية . ومعنى كونه علة : أنه يسافر لتعظيمها ، أو للتبرك بالحلول فيها ، أو بأن يوقع فيها عبادة من العبادات التي يمكنه إيقاعها في غيرها ، من حيث أن إيقاعها فيها أفضل من إيقاعها في غيرها ، وكل ذلك إنما نشأ من اعتقاد فضل في البقعة زائد على غيرها ، فنهي عن ذلك إلا في المساجد الثلاثة ، وهذا هو المراد ، وغيرها من الأماكن والمساجد لا يؤتى إلا لغرض خاص لا يوجد في غيره ، كالثغر للرباط الذي لا يوجد في غيره . وعلى هذا التقدير أيضا ، المسافر لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل في الحديث ، لأنه لم يسافر لتعظيم البقعة ، وإنما سافر لزيارة من فيها ، كما لو كان حيا وسافر إليها فيها

--> ( 1 ) لاحظ ما ذكره الذهبي في سير الأعلام ( 4 / 484 ) في هذا الصدد وقد نقلناه في الباب الرابع ( ص 174 ) فراجع الهامش .